14 سبتمبر 2020

التحكيم التونسي: هواة في حضرة المحترفين

كانت كرة قدم في بداياتها وفي مختلف دول العالم هواية لا أكثر رغم المسابقات الدولية والقارية ففي منتصف القرن الماضي كان الهداف التاريخي لفريق النجم الساحلي الحبيب موقو يشتغل في المخبزة ليلا قبل أن يتنقل مع فريقه للعب المباريات وهو ما يعد من المستحيلات خلال هذا الوقت.

وشمل احتراف الكرة التونسية اللاعبين والمدربين من رواتب وأسعار صفقات مقابل غياب بقية ضلوع الاحتراف العديدة على غرار البنية التحتية المهترئة ولعل ما حدث مؤخرا من تأجيل لمباراتي هلال الشابة ضد مستقبل سليمان والاتحاد المنستيري ضد الترجي التونسي خير دليل.

وفي النفس السياق غاب الاحتراف عن الجماهير التي تختلف تماما عما نشاهده أسبوعيا في الملاعب الأوروبية أين نجد الكرة المحترفة التي شملت كل مكونات اللعبة عكس ما يحدث في تونس التي أدارت ظهرها لقطاعات متداخلة كقطاع التحكيم.

فجوة عميقة

شرعت كرة القدم التونسية انطلاقا من سنة 1994 في السير على درب الاحتراف ببطولة نصف هاوية فمحترفة كليا انطلاقا من سنة 2005 بيد أن قطار الاحتراف توقف بمحطات اللاعبين والمدربين وتعديل النصوص القانونية والأطر المنظمة للعبة مقابل تجاهل محطة رئيسية وهامة هي التحكيم.

تجاهل التوقف عند محطة قضاة الملاعب فاقم من الهوة بينهم وبين محطيهم فتعمقت الأزمة التي تسير بخطى ثابتة نحو التأبيد في ظل ضغط النتائج وغياب استراتيجيات واضحة لضبط الأمور.

وأدى دخول الكرة التونسية الى عالم الاحتراف إلى ارتفاع صاروخي في أسعار المدربين واللاعبين حتى بتنا نتحدث عن أرقام تتجاوز ما تدفعه بعض الاندية الأوروبية في دوريات معروفة كالدوري الفرنسي لكن كالعادة ظل الحكام معزولين عن واقعهم وكأنهم "عسكر زواوة" مقدمون في الحرب متأخرون في الراتب.

ويعيش التحكيم التونسي أزمات عميقة زادتها حدة انسلاخه عن واقعه سواء رياضيا أو ماليا وهو ما يفرض على أهل القرار تحكيميا وفيدراليا إلى اتخاذ سياسات جديدة قد تساعد على تقليص الفجوة.

مقارنات قاسية

منذ أن رمت الكرة التونسية خلفها جلباب الهواية واتجهت نحو الاحتراف تفاقمت الضغوطات حول الحكام الذين لم يسايروا الركب رياضيا وماليا حيث ظلوا هواة في حضرة المحترفين.

رياضيا يعجز الحكام عن مجاراة نسق اللاعبين وذلك نتيجة غياب فضاءات خاصة بهم للتدرب فضلا عن تكلفة توفير معدين بدنيين وغيرها من الضروريات ليكون الحكم في لياقة بدنية تسمح بقيادة المباريات.

أما ماليا فالمقارنة قاسية للغاية ذلك أن ما يحصل عليه لاعبون في أصناف الشبان يفوق ما يجنيه حكم في الدرجة الفيدرالية رغم التعديل الأخير الذي أقرته الجامعة التونسية لكرة القدم في جانفي 2020 على عائداتهم.

ويتقاضى الحكام التونسي بعد الزيادة الأخيرة 400 دينار عن كل مباراة يقودونها لحساب الرابطة المحترفة الأولى مع منحة تنقل تقدر بـ 200 مليم عن كل كيلومتر.. أما الحكام المساعدون فيتحصلون على 300 دينار إضافة لمنحة التنقل في حين يقدر راتب الحكم الرابع بـ 200 دينار.

وتختلف الأمور في بقية الدرجات فعلى سبيل المثال حكم الساحة يحصل على 250 دينار في مباراة ضمن الرابطة الثانية اما مساعداه فيتقاضيان 200 دينار وأخيرا يحصل الحكم الرابع على 100 دينار عن كل مباراة.

اما بالنسبة لرابطة الهواة مستوى أول فيحصل حكم الساحة على 150 دينار والحكم المساعد على 100 دينار الحكم الرابع على 75 دينارا في حين تتراوح رواتب المستوى الثاني بين 100 دينار و75 دينار وأخيرا بين 40 دينار و25 دينار في مباريات الرابطات الجهوية.

فعلى سبيل المثال وصل الحكم نعيم حسني إلى مباراته الثانية عشرة خلال الموسم الحالي في الرابطة المحترفة الأولى مما يعني حصوله على 4800 دينار دون احتساب منحة التنقل أي ان صفقة انتقال سليمان كوليبالي الى النجم الساحلي والتي قدرت بـ 1.4 مليون دولار تساوي مليون مرة ما جناه الحكم نعيم حسني هذه السنة.

فارق رهيب

ولا تقتصر أزمة المقارنة في التحكيم التونسي بين ما يحصل عليه اللاعبون أو ما تنفقه الفرق في الانتدابات وإنما ينسحب الأمر أيضا على المقارنات بالتحكيم العربي أو الإفريقي.

ورغم أن الاتحاد الدولي للتأريخ والإحصاء في كرة القدم يضع الرابطة المحترفة الأولى في صدارة الدوريات العربية والإفريقي إلا أن الحكم التونسي يصنف من بين الأضعف دخلا على الصعيدين الإقليمي والقاري.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر يتقاضى الحكم في جنوب افريقيا 1500 دولار عن كل مباراة أي تقريبا ما حصل عليه نعيم حسني طيلة الموسم الحالي خلال إدارته للمباريات في الرابطة الأولى.

أما في البطولة المغربية فيغنم حكم الساحة 3000 درهم أي ما يعادل 800 دينار تونسي وهو ضعف ما يتقاضاه الحكم التونسي.. ولا يختلف راتب الحكم المصري عن نظيره في تونس حيث يتقاضى 150 دولارا أي ما يعدل 420 دينارا تونسيا.

اما بالنسبة للمسابقات الافريقية فأصبح راتب الحكم 1125 دولار عن كل مباراة أي ما يعادل راتب حكم تونسي في 8 مباريات كاملة.

هل الحل في الاحتراف؟

تكشف الأرقام واقعا لا ريب فيه أن الاحتراف والتحكيم خطان متوازيان لا يلتقيان – على رأي الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي- وبالتالي فإن غياب التحكيم التونسي عن لعب الأدوار الأولى قاريا وعربيا وعالميا هو امتداد طبيعي لواقع الحال.

ومثل التحكيم التونسي قبل دخول معترك الاحتراف واجهة محترمة للكرة التونسية فسجل علي بالناصر حضوره في مونديال 1986 بالإضافة إلى أنه أول حكم عربي وإفريقي يدير نهائيين متتاليين لكأس أمم إفريقيا سنتي 1984 و1986.

وبدأ الحضور التونسي في الأدوار النهائية لكأس أمم إفريقيا فعليا منذ نسخة 1963 التي قاد مبارياتها النهائية الراحل الهادي عبد القادر والذي خلفه لاحقا مراد الدعمي (نهائي 2000 و2006) ليكون في حصاد تونس خمس نهائيات كاملة.

وبالمحصلة لم يخدم الاحتراف التحكيم التونسي بل أدى إلى تقهقره خصوصا في ظل التطور السريع للكرة في إفريقيا والعالم لذلك يرى الكثيرون أن الحل قد يكون في احتراف التحكيم وذلك لتستعيد الصافرة التونسية مكانتها وتموضعها على خارطة الكرة الافريقية.

وقد يكون الحل بيد الجامعة التونسية لكرة القدم التي طرحت عليها بعض المشاريع في سنوات كاعتماد بعض اللاعبين السابقين ممن انتهت مسيرتهم مبكرا أو الاتفاق مع الوزارة على وضع التحكيم ضمن الاختصاصات التي تدرس في معاهد الرياضة فيتوفر التحصيل العلمي بجانب التفرغ والتخصص ما قد يكون حلا مثاليا..

محمود بن مبارك


تصفح المقالات
عالمي
هايل
هكاكا
على حيط
ماجا شيء

3.0/5